عثمان بن جني ( ابن جني )

244

سر صناعة الإعراب

فأما قول بعضهم « 1 » : لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة * تدع الحوائم لا يجدن غليلا « 2 » بضم الجيم فلغة شاذة غير معتد بها لضعفها وعدم نظيرها ومخالفتها لما عليه الكافة مما هو بخلاف وضعها ورأيناهم مع ذلك إذا كان الماضي على « فعل » ولامه واو فعين مضارعه أبدا مضمومة ، وذلك نحو « غزوت أغزو » و « دعوت أدعو » . وهذا أيضا أصل مستمر غير منكسر ، فلو صاغوا مثل « وعوت » لوجب عليهم في المضارع أن يكسروا العين كما كسروا عين « يعد » وأن يضموها أيضا كما يضمون عين « يغزو » فلما كان بناؤهم مثل « وعوت » يدعوهم إلى أن تكون العين في المضارع مضمومة مكسورة في حال واحدة رفضوه البتة فلم يبنوه مخافة أن يصيروا إلى التزام جمع بين حركتين ضدين في حرف واحد . فإن قلت : فهلا بنوه على « فعلت » بضم العين ، فقالوا : « وعوت أوعو » وأجروه في ضم عينه بعد الفاء التي هي واو مجرى « وضؤت توضؤ » و « وطؤ الدابة يوطؤ » ؟ فالجواب : أن « فعلت » أكثر في الكلام من « فعلت » ألا ترى أن « فعلت » لا يكون إلا لتنقل الهيئة والحال نحو : ما كان كريما ولقد كرم ، وما كان ظريفا ولقد ظرف ، وما كان جميلا ولقد جمل ، وما كان صبيحا ولقد صبح ، وهي أيضا غير

--> ( 1 ) البيت لجرير في ديوانه ( ص 453 ) وهو ثاني بيت في قصيدة يهجو فيها الفرزدق وعدتها عشرون بيتا وفيه « يجدن » بكسر الجيم على القياس ، ولا شاهد فيه حينئذ . ( 2 ) نقع : روى . لسان العرب ( 8 / 361 ) . الحوائم : جمع حائم وهو الإبل العطاش جدا . لسان العرب ( 12 / 162 ) . الغليل : حر الجوف . لسان العرب ( 11 / 499 ) . والشاهد فيه مجيء « يجدن » مضموم الجيم وقد حكم عليه ابن جني بالشذوذ . إعراب الشاهد : يجدن : فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة . ونون النسوة : ضمير مبني في محل رفع فاعل . غليلا : مفعول به منصوب وعلامة النصب الفتحة . وجملة « لا يجدن غليلا » في محل نصب حال وصاحبه الحوائم قبلها .